علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )
276
نسمات الأسحار
فهكذا كان علماء الآخرة نفعنا اللّه تعالى بهم في الدنيا والآخرة . وبالجملة ، فلو فتحنا باب آفات علماء هذا الزمان لضاقت الطروس ، وملت النفوس ، ولا يخفى على اللبيب الفرق بين المخطئ والمصيب ، ولا شك أن لا مرتبة فوق مرتبة العلماء ، كيف لا ، وهم ورثة الأنبياء ، ولا تظن أنى أصد بما قدمته في ذم علماء السوء عن العلم ، فإن بعض الظن إثم ، وأعوذ باللّه أن أكون ممن صد عن سبيل اللّه مع علمي بما أوعد اللّه الذين يصدون عن سبيله من العذاب الأليم ، والنعيم المقيم ، وإنما العلم في نفسه حسن ، وإنما يقبحه من لا يعمل بمقتضاه ، وينهى عنه من حيث تعلمه لأجل الدنيا كما إذا سئل الإنسان عن العسل مثلا : أيحل للمحرور الصفراوي الذي ينضرّ به ؟ فيجيب بأنه حرام من هذه الحيثية مع أن العسل شفاء بنص القرآن ، وكان سيد الخلق صلى اللّه عليه وسلم يحبه ويصطفيه . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « من لعق العسل ثلاث غدوات في كل شهر لم يصبه عظيم من البلاء » « 1 » . أخرجه ابن ماجة من رواية أبي هريرة . إلى غير ذلك من الأحاديث . فإذن قد يحرم الشئ الحلال لعارض ، كما يباح الحرام لعارض ، كما في الخمر ، فإنه يحل لمن غص بلقمة أن يشربها ، فتأمل حينئذ إذا سلم الطالب للعلم من الآفات المضرة ، فأي وظيفة أعظم منه ، وقد قال تعالى : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ [ آل عمران : 18 ] ، فانظر كيف بدأ بنفسه عز وجل ، وثنى بملائكته ، وثلث بأهل العلم ، وناهيك بهذا شرفا وفضلا . قال ابن عباس : العلماء فوق المؤمنين بسبعمائة درجة ، ما بين الدرجتين مسيرة خمسمائة عام إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [ فاطر : 28 ] ، وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [ العنكبوت : 43 ] ، قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [ الزمر : 9 ] ، والآيات في هذا المعنى كثيرة . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « يستغفر للعالم ما في السماوات والأرض » « 2 » وأي منصب يزيد على منصب من يشتغل ملائكة السماوات والأرض بالاستغفار له .
--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة في سننه ( 3450 ) ، وابن عدي في الكامل ( 5 / 320 ) ، والعقيلي في الضعفاء ( 3 / 40 ) عن أبي هريرة ، وضعفه الألبانى في الضعيفة ( 762 ) . ( 2 ) أورده الزبيدي في إتحاف السادة ( 1 / 71 ) .